الشيخ الأنصاري
90
مطارح الأنظار
وتفوح عنه رائحة الحق وإن كان ابتناؤه على ما ذكره من أن حقيقة التكليف هي الإرادة مستدركا إذ على تقدير الخلاف أيضا يتجه ما ذكره من أن المنصف يجد من نفسه وجود الطلب المتعلق بالمقدمة على تقدير تعلقه بذيها ويعلم أن لا وجه لذلك إلا مطلوبية الفعل الموقوف عليها ولا يفرق في ذلك القول بأن الطلب عين الإرادة كما عليه العدلية أو غيرها وذلك ظاهر ثم إن ما ذكرنا إنما يتم فيما لو كان مراد المستدل إثبات الوجوب التبعي للمقدمة على وجه حررنا في تحرير محل الخلاف وأما على ما استفاده المحقق الخوانساري من كلامه من أن مقصوده إثبات الوجوب على وجه يوجب مخالفته العقاب فالتحقيق على ما عرفت أن الوجدان لا يقضي بذلك وليس ذلك من محتمل كلام القائل بالوجوب أيضا كيف والمشهور على الوجوب بل قد عرفت دعوى الاتفاق من الآمدي على ذلك وكيف يسوغ إثبات الوجوب بالمعنى المذكور لهم مع الاتفاق على نفي العقاب على المقدمات ثم إن المحقق الخوانساري قد أورد على الدليل بأنه إذا كان الطلب هو الإرادة وكان المطلوب من الصيغة الموضوعة للطلب إعلام المخاطب بحصول الإرادة في النفس فيلزم أن يكون وضع الجمل الطلبية لغوا غير محتاج إليه ويكون مفهوماتها مما لا يتعلق بتصورها غرض أصلا وهو باطل بيان الملازمة أن النسب الإنشائية والصيغ الموضوعة لها ليست عين الإرادة وهو ظاهر ولا دخل لها أيضا في حصول الإرادة ولا في حصول الإعلام عنها وعلى التقدير المذكور ليس معنى آخر حتى يتصور مدخليتها فيه أمّا لا مدخل لها في حصول الإرادة فظاهر لأن الإرادة معنى قائم بالنفس وهذا يتوقف على تصور المراد والمكلف فقط ولا توقف لها على تصور النسبة التامة الإنشائية ولا على صيغها وهو ظاهر سواء قلنا إنها عين الداعي أو غيرها وأما الإعلام فلأن حاصله أن يعلم الآمر المخاطب أن الإرادة موجودة في نفسه ولا شك أن هذا المعنى معنى خبري واللفظ الدال عليه جملة خبرية ولا توقف له على النسبة الإنشائية وصيغها وأما إنه ليس على هذا التقدير معنى آخر يتصور مدخليتها فظاهر فثبت لغوية هذه المفهومات وصيغها بل وكان يجب أن لا يدخل في الوجود كما لا يخفى على من أنصف وأما بطلان الثاني فبالضرورة والوجدان سلمنا عدم بطلان التالي لكن نقول لا شك أن الصيغ الإنشائية دالة على الطلب وعلى هذا التقدير لا يتصور دلالتها عليه لأن هذا المعنى أي أن الإرادة حاصلة في النفس ليس معنى مطابقيا لتلك الصيغ ولا تضمنيا وهو ظاهر ولا التزاميا أيضا إذ ليس هذا المعنى لازما بينا بالمعنى الأخص لمفهوم لفظ اضرب مثلا وهو ظاهر بل ولا لازما مطلقا كما يظهر عند التأمل فليس أيضا بين النسبة الإنشائية وبين الإرادة علاقة ذهنية حتى ينتقل منها بسبب تلك العلاقة إلى الإرادة فانتفت الدلالة رأسا ولو سلم إمكان الدلالة بارتكاب تكلَّف بأن يقال مثلا إن شرط وضع هذه الصيغ أن لا يستعملوها إلا عند وجود الإرادة ونحو هذا من التكلفات الركيكة فلا شك أن دلالة الجمل الخبرية عليها حينئذ أقوى وأظهر مع أنهم صرحوا قاطبة بأن الإنشائيات دالة على الطلب بالذات والإخبار عن الطلب دال عليه بالعرض فظهر أن الطلب ليس هو الإرادة وأن ليس الغرض من الصيغ الإنشائية الإعلام بأن الإرادة حاصلة في النفس بل يجب أن يكون أمرا من غير الإرادة ولا يجوز أن يكون أمرا مثل الإرادة متوقفا على تصور المطلوب منه فقط ويكون الغرض من الصيغ الإعلام بحصوله في النفس لعود المفاسد المذكورة فهو إما نفس النسبة التامة الإنشائية بل إدراكها لكن لا يطلق عليها اسم الطلب إلا بشرائط مثل حصول الإرادة ونحوه حتى لا يرد أن كثيرا ما ندركها وليس الطلب متحققا وإما أمرا آخر غيره ولكن يتوقف حصوله على ذلك الإدراك وهذا بعينه نظير التصديق في الجمل الإخبارية فإنه أيضا إما عين إدراك النسبة التامة الخبرية كما هو رأي بعض أو يتوقف عليه أو على إدراك النسبة التقيدية على رأي من جعله غيره وعلى التقديرين يندفع المفاسد المذكورة ويظهر وجه دلالة الصيغ الإنشائية على الطلب وكونها بالذات بخلاف الإخبارية أما على الأول فكلا الوجهين ظاهر لا سترة فيه لأن مفاد الإنشائية هو الطلب بنفسه ومفاد الإخبارية ليس هو الطلب بل إنما يخبر عن الطلب بحصوله في النفس أما على الثاني فوجه الدلالة ظاهر أيضا لأن الطلب لما كان حصوله مع حصول مفهوم تلك الصيغ فعند سماعها والانتقال إلى معانيها يحصل الانتقال إلى الطلب أيضا لشدة تقارنهما واتصالهما حتى أن النفس لا يكاد يفترق بينهما وأما كونها بالذات وكون الدلالة الإخبارية عن الطلب بالعرض فلعل وجه أيضا التقارن والاتصال المذكور فكان مفاد الإنشائية الطلب بنفسها بخلاف الإخبارية أو يقال إن الطلب لما كان يتوقف على تصور النسبة الإنشائية وتصور المعاني يتوقف في المعتاد على تخيل الألفاظ أو أنه لا يحصل بمجرد التصور النسبة التامة الإنشائية بل لا بد من مخاطبة مع المطلوب عنه وتوجيهه إليه وهي إنما تحصل من الألفاظ فللصيغ الإنشائية على الوجهين دخل في حدوث الطلب فدلالتها عليه من قبيل دلالة العلة على المعلول بخلاف الجمل الخبرية فإن دلالتها وضعية ولا شك أن الأول أقوى فلذلك أطلق عليها هنا بالذات وبما ذكرنا ظهر وجه قولهم إن تلك الصيغ منشأة ومحدثة لمعانيها فتدبر انتهى كلامه ومواضع النظر في كلامهما غير خفي على من أمعن النظر فيما أفادا وليس المقام محلا للإطالة الثامن ما نقل عنه أيضا من إلزام المشقة على الشخص من غير غرض قبيح ولذا حكم العدلية باستحقاق الثواب والعقاب فلا بد أن يكون في فعل المقدمات التي لا خفاء في كونها من المشقة أجر وثواب وهذا يقتضي الرجحان لأن ما لا رجحان فيه لا معنى لترتب الثواب على فعله ولذا ترى منكري الوجوب لا يقولون باستحقاق الثواب على فعلها وإذ قد ثبت بهذه المقدمة وجود الرجحان فثبت الوجوب بمقدمة أخرى يمكن تحصيلها بأدنى تأمل انتهى ما لخصناه من دليله المنقول والظاهر أن المقدمة